٢٠١٠/٠١/١٢

ذات الأغنية بمكان آخر ..3


السعادة شبكة من الحب يمكنك عن طريقها اصطياد الأرواح.
الأم تريزا

ذات الأغنية بمكان آخر

الأولاد ذهبوا الى المدرسة .. زوجتي قد أخذت على عاتقها, معظم المهام المتعلقة بهم .. تنقلاتهما ونشاطاتهما ..

حسناً .. حسناً ..إنني لست بوالد صالح "طبقا للمعايير السويدية" .. ماذا يعني !! تركت بلدي وعملي واصدقائي وأخوتي .. بيتي .. شوارعي ..ناسي .. تحياتهم الصباحية .. جيراني الطيبين .. عشيقاتي .. تركتهم من اجل فتاة سويدية ظننت بأنني سأعيش حرا من سقم فشل زواجي الاول بفتاة من البلد .. أي غباء ..

الزوجات نسخ غير أصلية .. لكنهن على الاقل يتشابهن بالتكتيك نفسه .. اجعل حياة الشريك جحيماً !

البيت هادئ .. صوت مذياع المطبخ .. الأغاني نفسها لدرجة أنك تعرف الأغنية التالية .. كنت اظن بأني أملك الحاسة السابعة ..لكن اكتشفت أن الجميع لديهم الحس نفسه .. ريثما علمت من زوجتي أنها ملت من ترديد الاذاعة, نفس الاغاني .وبنفس الترتيب .. . !!

هذبت لحيتي قليلاً .. ثم نظرت لوجهي .. لم يتغير أي شيء به .. كنت أريد أن أبدو مختلفاً .. فبدأت في جز القليل من شواربي .. كان الشكل - باعتباري مصمم داخلي- لايتفق نسبيا , قياسا مع حجم لحيتي .. كنت أعلم أن هذا سيؤدي بي إلى أن أبدأ في تغيير جذري في وجهي .. فتركت السوالف طويلة, كأنكليز القرن الثامن عشر ومن ثم "سكسوكة " الذقن التي تشكل مع الشوارب بقعة سوداء في وجهي يتوسطها شفتاي الغليظتان .. لكنني قبلت التغيير وأحسست بأنني أكثر أو لنقل أقل قبحا من ذي قبل .. نعم علي أن ألبس .. !!

قررت أن ألبس ثيابا تليق برحلة خاصة .. رحلة احتاجت لجهد وتفكير, لتوضع على التنفيذ .. بدأت في انتشال الأكياس الجديدة والبناطلين المتنوعين في القياس والموديلات .. وبدأت أرتب وألبق .. نعم هذا القميص مع هذا البنطال .. جميل .. أم ذاك البنطال الذي اشتريته بوقت التخفيضات ومع ذلك اعتبرته غال جدا على امكانيتي المتواضعة .. لكنه رائع .. أروع من أن ألبسه الآن .. لا لا .. لن ألبسه .. سحقاً سألبس ثيابي المعتادة .. انها رحلة .. لاتعني لي سوى مضيعة لوقت .. تغيير شكل أعني .. سألبس بنطالي الاسود القديم .. إني البسه منذ 7 سنوات .. أحبه جدا, أصبح أخا لجلدي .. وسألبس تلك الكنزة التي جلبتها من سورية .. أيضا انها سوداء .. لكن الحذاء هل سأفتح حذاء جديدا .. أضحك .. لدي أربعا من الأحذية التي لازالت بعلبها الكرتونية الجميلة .. السعر والباركود .. زوجا منهم, هدية من صديقي مالك, عندما دعاني الى هولندا .. انه كلارك .. الماركة الذائعة الصيت ..( كان ابي يفخر بأحذيته وربطات عنقه.. قائلا .. هذا كلارك وهذا رد شو وهذه تيدلابدوس .. !! ) لكني سألبس ما البسه .. بوطاً بنيا شتويا .. رائحته لازالت تذكرني برائحة البقر .. هههه

لبست وتفحصت كل شيء .. الخليوي وسماعات الاذنين .. القبعة السوداء الصوفية, اللفحة العنابية, ومحفظة النقود .. تفحصت النقود .. وكرت البنك والهوية .. الانارة والموقد والحاسوب .. نعم أطفأتهم ... كل شيء جاهزاً .. سأغلق الباب .. وأبدأ في المسير باتجاه موقف الباص !!

كان الباص كعادته قد انطلق قبل أن آت بدقيقتان .. (لن أتكلم عن سوء حظي) .. لم انتظرالذي يليه. بل سأتابع المسير إلى البلد ثم الى المحطة الرئيسة ..
كانت الريح باردة .. خصوصا عندما يسير المرء على الجسر المعدني الكبير .. أنظر للقناة الممتدة بجانبي الجسر .. حقا هذه البلاد جميلة .. أشجار خضراء وشوارع نظيفة .. وبشر أشكالهم جميلة .. أنوفهم وشفاههم وأسنانهم .. لونهم .. شعرهم السابل والناعم .. خدودهم ووجناتهم .. يتتابع مرور البشر من حولي .. مركز المدينة .. الكثير من البشر يدخلون ويخرجون من المحلات الكبيرة والصغيرة .. أسعار مخفضة ..
....ثم بعد دقائق .. كنت أمام قاطع التذاكر .. قلت له تذكرة ليوم كامل .. مئة كرون .. نعم حسنا هاهي .. شكرا ..!!
كان القطار قد اقلع .. وعلي أن انتظر القطار التالي .. حمدا لله فقط 14 دقيقة .. سأنتظر .. جلست على مقعد خشبي في وسط ساحة المحطة .. أخذت جريدة المترو المجانية وبدأت في تصفحها .. في بعض الاحيان أرفع عيناي عن الجريدة لابحث عن وجه جميل .. كان الوجود الأجنبي هو الطاغي كالعادة في المحطات . السويديون عاملون .. في عملهم .. الاجانب يبحثون عن عمل عن تسليه عن اي شيء .. يستقلون القطار .. مهلا .. كم وجهها جميلا .. تشبه احد ما .. كأنني أعرفها .. كأنني وقعت في هواها قبلاً .. أبعدت الجريدة ونظرت اليها طويلا .. كان بودي أن تلتقي عينانا سوية .. لكن ما أن التقت حتى أدرت وجهي كالبرق .. لابد أنها انتبهت .. لكنني أدرت وجهي بسرعة .. حقا .. نعم بالتأكيد لم تنتبه !!
جاء القطار .. أسرعت خلفها, لأجلس بمكان ما, يمكنني أن أراها .. .. فحين تجلس, سأكون جاهزا لانقض على المكان المقابل لها .. . هاهي جلست .. بجانب النافذة .. سأجلس انا مقابلها .. ليس تماما بل في الصف التالي "لم أملك الجرأة في حياتي " .. فنكون متقابلين وإن كنا بعيدين .. صوت السائق يعلن عن بدأ الرحلة .. هذا اقطار متوجه الى ستوكهولم .. ماشتا .. ستوكهولم, ماشتا .. الابواب ستغلق .. اهتزت المقصورة قليلا .. وبدت الاشجار المتوضعة بجانب السكة الحديدية .. هي التي تتحرك .. أدرت وجهي اليها .. فالتقت عينانا .


الفصل الاول
الفصل الثاني

٢٠١٠/٠١/٠٧

الأغنية لازالت .. لكن الصوت هو الذي يتغير 2




الكل يحلم بتغيير العالم،

لكن لا أحد يفكر بتغيير نفسه.

ليو تولستوي


في المغطس, أرجع كجنين ..لا بل كطفل ..يستشعر احاسيسه المرهفة ...!! صوت المياه ..الذي يتدفق بشدة .. البخار المتصاعد...خارج الحمام, صوت ارتطام الرسائل والصحف والاعلانات من فتحة الباب .. صوت حذاء ساعي البريد .. وهو يقفز على درجات السلم ... رنين الهاتف .. ليس الآن ... الموبايل ايضا.. أين هو .. أقفز من اللوحة .. من الذاكرة .. أسقط من السماء ..

انتشل جسدي المبلل, من المغطس .... أهرع خلف صوت رنين الخليوي .. أين هو ..!! أصل متأخراً .. أنظر للرقم .. !! أحد أصدقائي .. سأتصل به لاحقاً ..!! أنظر لأرض الغرفة .. والصالون وصولا الى الحمام .... لابد أن المياه قد تركت آثارها اماكن كثيرة .. أنظر الى تلك الاقدام المرسومة بالمياه .. بعضها بلا أصابع .. بعضها تبدو كمستنقعين .. الكعب والمشط .. !! سأمسح البيت .. لكني سأرجع للوحة ... سأضع نفسي, احد التلاميذ في لوحة "العشاء الاخير" لدافنشي .. .. !! أصدقائي .. أهلي .. أخوتي .. مدينتي .. أزقتها .. صالون الحلاقة .. دكان السمان .. المدرسة الكريهة أيام الشتاء .. الحديقة العامة .. الحارس مصطفى .. رائحة طهي الطعام المنبعثة من نوافذ المطابخ المجاورة ... أصوات ثرثرة نساء الحي .. بائع السكاكر ذو البذلة الخاكية .. .. !! تتوالى أصوات الباعة المعروفين في الحي .. أبو علي بائع الخضار ..وأبو أحمد أيضا يبيع الخضار .. يلتقيان أحيانا بالحي ويتباريان بتخفيض الاسعار .. ويحلفان بأغلظ الايمان بانهما يبعان بخسارة , أمام أهل الحي .. " قال لي صديقي مرة, بأنه شاهدهما بتقاسمان الغلة وأنهما شريكين" ههههه لابأس .. أنهما مرحان .. ابتسم وأنا أغير من وضعيتي في المغطس .. المياه بردت قليلا .. ساعدلها .. صوت المياه .. هذه المرة أشد, ربما فتحت الصنبور أكثر .. أم أن المياه أصبحت أقوى .. صوتها أعادني الى مصيف, اعتاد اهلي أن يقضوا به بعض الأيام كل سنة .. سيـر .. الواقعة في شمال طرابلس .. أوتيل الجزار .. الرائع .. أصوات الشلالات الصغيرة ومياهها التي كانت تهدر طوال اليوم ..!! - .. أغلق صنبور المياه ..- !! أرجع للاوتيل, صحن الشوربة الذي يسبق الطعام .. كل شيء كما في أفلام السينما .. مرتب وأنيق .. .. صوت العصافير وأجراس تلك الصناديق المعدنية التي تسمى بفليبرز, كلما لامست الكرة بشيء, تحت هذا اللوح الزجاجي.. صوت ابي يقول: كفاك فليبرز اليوم .. لقد أعطيتك بما فيه الكفاية .. "لايوجد فليبز عندنا في سوريا أنها ممنوعة " للآن لم أجد جوابا لهذا !! المنطق في الحكومات الاستبدادية, يتحول الى خرافة .. غفوت قليلا .. لم أعد أتذكر الحلم .. ألم رقبتي وظهري ماجعلني أستيقط وسط مياه لازالت دافئة ... سأفعل شيئا ما !!

اليوم يجب أن أخرج من البيت .. سألتقي معارفي في ستوكهولم .. أي أحد .. أعرف الكثيرين .... لابد أن أحدهم يستطيع أن يقضي معي بعض الوقت في شوارع ستوكهولم .. .. ســــــــــــــــــــــألبـس .... و أستقل القطار .. سأغامر بمئة كرون ثمن بطاقة, تخولني أن أستقل القطار وقطار الأنفاق والباصات العامة ضمن محافظة ستوكهولم الكبيرة .. مفيدة اكثر فلربما لن يحالفني الحظ بلقاء احد المعارف .. فاستقل أي باص, أجلس بجانب النافذة .. وأمسح بعيني شوارعها وناسها .. ستوكهولم التي حلمت يوما بها .. ستوكهولم التي أصبحت الآن مجرد أرقام شوارع وأرقام باصات .. ستوكهولم التي سأزورها .. بعد ساعتين .. بعد هذا الحمام الدافئ .. هي نفسها العشيقة السايقة لآلاف المهاجرين .. العشيقة التي خيبت ظنهم .. فأحرقت الحلم والسنين .. ستوكهولم !!!!! ..... أنا آت ..

بدوت أمام المرآة رجلاً بالكاد أتذكره .. لكنني لم آبه كثيراً .. كنت قبلاً, أتفيئ في سنيني القديمة .. فأنا كنت ألعب كمال أجسام .. كنت أتمرن 4 ساعات باليوم .. كنت أخاف أن أغيب عن التمرين .. كمن ولأول مرة أكتشف بأن في وسعي أن أملك جسداً يحسد عليه .. كان عقدة نقصي حين كنت صغيرا ..

حسناً أنفي .. أنفي الذي بدا لي أكبر بكثير من ذي قبل .. شعري, الذي يسد مصرف الحمام في كل مرة أغتسل ... لحية بلونين .. اسود وابيض .. شفتان مختبئتين وراء أكمة شعر الشوارب ..!! أخفض منسوب نظري الى الجسد .. تصطدم كتلة كروية منتفخة, تحت ثديين مهدلين .. لرجل لم يعد كما كان .. رجل قارب النهاية ..

على ما يبدو لاشيء يفيد .. إن هذبت لحيتي .. إن لبست الثياب, التي اشتريتها منذ سنين ولازلت أتابع شرائي لها , لتوضع في الخزانة انتظارا لحدث جميل ... .. اختلفت الموضة .. زاد وزني .. ثيابي هي فقط دليل حسي على إنني بانتظار حدث جيد .. حدث يفترض به أن يكون مهما لي !! ..

لم يأت .. قطع القماش .. بعضها لازال بأكياس المحل الذي اشتريتها منه !! لكنها لازالت تنتظر معي !!

الفصل الأول

٢٠١٠/٠١/٠٣

الفصل الاول من أغنية .. لم اعرف اسمها لكنها لازالت في اذني تسكن !!


    ما قيمة جمال مشهد إذا لم يهز روحاً أخرى تعتبرها توأماً لروحها؟ ما قيمة لوحة رائعة أو كتاب رائع إذا لم تتقاسم تلك الروعة مع أحد؟
    جيلبرت سينويه في "اللوح الأزرق"








    صبـــــــــــــــــــــــــــــــاحــــــــــــــــــــــــــــــــــــاً...


    لم أعد أعلم متى حصل هذا معي .. في أي يوم .. في أي شهر او سنة .. لكني متأكد أن كل هذا حصل فعلاً ..

    نعم... كنت قد قررت منذ الصباح الباكر أن أننتشل جسدي المخمر, برائحة النوم وما ازدرته في منتصف الليل من طعام كان قد بقي من عشاء سابق. كان الغطاء الخفيف الذي يلفني قد أخذ تماما شكل الكفن, لولا أن رأسي قد برز خارجا منه لأتنفس..ستائر النافذة المغلقة تحجب الوقت ولم أتذكر أن في يدي ساعة .. زوجتي قد استيقظت باكرا جدا, قبل الصباح نفسه, تمارس طقوسها الصباحية .. رياضة وحمام ومرآة .. وفطورا من اللبن والجبن وقليلا من القهوة مع الحليب .. ريثما يحين وقت, يستيقظ به طفلينا ويبدأ البيت في الحياة .. لكنني كنت صاحيا.. في ذلك الصباح . .. كان الليل قد تآمر مع جسدي بألا أنام.. فبقت عيناي مفتوحتان .. وأفكار تلهو في راسي ..

    لم استطع مع كل محاولاتي, في جعلي أنام .. نهضت وبدأت بصحن الجبنة ثم بصنع فنجانا كبيرا من الشاي وقليلا من البندورة وبعض الزيت .. ثم وصل الامر الى أن آكل ماتبقى من البطاطا المقلية بالثوم والفليفلة .. ومعها شربت ربما نصف لتر من الكوكاكولا ... متى سأنتهي من هذا ! فأنا في وزن لم أصل إليه منذ سن السادسة عشر, حين خضعت لنظام رياضي وغذائي, استطعت من خلاله انقاص وزني, تقريبا 60 كغ بسته اشهر .. من أجل فتاة أحببتها .. !!

    أكلت حتى التخمة .. كان كل شيء بلا طعم .. فقط آلة تمضغ .. تعلك , واقفا بجانب البراد ساندا رأسي على درفة من خزن المطبخ .. باب البراد مفتوح, لا أغلقه, يلقي ضوئه الأصفر على أرضية المطبخ, كقطعة جبنة مثلثة كبيرة .. هدوء عجيب لايقطعه سوى صوت أسناني التي تمضغ ما تلقيه يدي في فمي .. وصوت كاسة الشاي او الكولا وهي ترتطم بسطح ا لطاولة الخشبي ...

    دخلت الحمام أحدق بوجهي في المرآة .. كنت أنظر إلى عيني .. محاولا أن أصل إلى اعمق نقطة فيهما .. أفكار كثيرة .. أخذت تقتحم عقلي .. الموت .. الخلاص من هذه الحياة .. الحرية .. الانعتاق من كل هذا القلق .. لست راضيا عن اي شيء في حياتي ... كل شيء بدا لي سئماً .. بقيت هكذا حتى شعرت بتعب في قدمي .. الأفكار لاتنتهي .. سأتابعها في المغطس .. أنني بحاجة لمياه ساخنة .. وساخنة جداً .. علني أستحضر ذكرى أمي وهي تضحك عندما كنت أتلوى من الغيظ, لأن المياه كانت حرارتها أعلى مما أتحمل .. رائحة المياه الساخنة .. رائحة البخار المتصاعد منها , .. أدرت مقبض الحنفية وبدأت المياه تندفع بغزارة إلى المغطس .. بعد قليل كان البخار قد جعل سطح المرآة طريقاََ ضائعاَ في ضباب كثيف, لم أستطع الاستمرار في النظر الى عيني .. مسحت بكفي المرآة, فتركت يدي آثار , تبدو كحبيبات مياه مصفوفة بشكل قوس ... المغطس بدأ في الامتلاء ... رائحة البخار لم تفلح في استحضار صورة أمي ..!!

    نزعت عني البيجاما ووضعت اولى قدمي لأتحسس حرارة المياه , فانا في بعض الأحيان أقيس مدى تحملي لسخونة المياه, فارفعها حتى درجة أستطيع القول عنها قريبة من الغيلان "ليس تماما" ... انها ساخنة جدا , فأخفض من درجتها بزيادة الماء البارد ... حتى تصبح مقبولة .. نعم يا للمتعة .. المياه .. رائعة .. ماذا نفعل بدونها ... تذكرت أنني .... لم أنظف أسناني .. سحقا لأسناني ..!! سأستمتع بالحمام ..

    يتبع

    الفصل الثاني