٢٠٠٩/١٠/١٩

18 مطعم المارينا والطعام الفرنسي


غزو الإنسان لنفسه هو اعظم غزو يحققه الإنسان في حياته
بلاتو

بدأت الغيوم تتشكل بالسماء التي كانت صافية ..قبل بضعاً من الأيام ... السيارات التي كانت تركن في المواقف قد نقص عددها بشكل ملحوظ .. جيراننا الظريفين .. لم نسمع أصوات ابنهما .. لابد أن وقت الرحيل قد آن للمصطافين .. نحن سنبقى أياما أخرى ...لكن بعضهم لازال باقيا. في كل صباح, اعتدنا أن نرى امرأة تبدو جميلة, تستحم في حوض السباحة .. كانت عارية الصدر " كبيره" باستمرار .. مما لاشك به أنها أعطت حركة نشطة لخيالنا المرتاح من أمور عدة.!!! وفي مرات متعددة حمسني محمد بأن أحاول النزول إلى حوض السباحة وإبداء الرغبة في التكلم معها .. لكنه لم ينجح في كسر الخجل والخوف المتعشق في جيناتي !!

الفطور وشرب القهوة والتكلم عن سهرة البارحة وجمال ونعومة ستيفاني ويديها وأصابع قدميها .. أضحكنا طويلاً ..

حان وقت النزول الى البحر .. " في اللاذقية بدأت أشك بأني سأسبح مرة أخرى في البحر!!..هنا في سان سيبيريان كانت رغبتي قوية في السباحة حتى وان كانت درجة حرارة المياه في البحر باردة .. وجدا أيضاً.. !! لقد صدق محمد حين قال أن المياه باردة .. عندما غطست .. كانت صدمة المياه الباردة على جسمي, أشبه بتيار من الكهرباء يمر بجسدي !! لكن بعد قليل كان كل شي رائعاً .. !! انهينا السباحة والمشي على الرمال .. ثم الى البيت .. في مرورنا إلى الحديقة الخلفية للمبنى ولشمس ساطعة ..كانت هناك, عائلة فرنسية تلعب بلعبة مشهورة في هذه المنطقة .. عبارة عن كرة صغيرة بحجم كرة التنس لكنها معدنية ويلقون بها على مقربة من كرة أخرى .. تشبه الكلال لكن بجم اكبر .. كان بينهم فتاة جميلة جدا .. بقيت انظر اليها طويلاً ..الأنثى مخلوق جميل حقاً !! كان صباحا رائعاًً ..

حان الوقت لنذهب الى المقهى الانترنت .. .. والالتقاء بجاك .. هكذا .. مر الصباح .. التحدث عن البورصة ... الشيء المحبب لجاك المغامر .. بقينا سوية محمد وانا وجاك .. ونصحنا جاك بمطعم اسمه المارينا .. وهو قرب ميناء اليخوت .. ويعتبر من أشهر المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية, حيث كان المطعم مزدحما جدا بالزبائن .. لكن جاك المعروف والمحبوب في كل الامكنة .. استطاع بمعرفته بالعاملين في المطعم لتأمين مكانا جيدا لنا .. !!

" رائحة الشواء تشبه الى حد كبير تلك الرائحة التي اعتدت أن أتحسسها في كل مرة أقترب من مطاعم اللاذقية القديمة , اسبيرو والكازينو ... ومع ماتبقى من أشباح المطاعم القديمة التي كانت ترصع الكورنيش القديم, كفينيسيا ورشو والبحري واللاكابان ...!! مع أن الرائحة كانت شهية جداً لأطلب سمكا مشويا, إلا أنني فضلت قطعة من اللحم الاحمر المشوية جداً على الفحم .. وبعض النبذ !! جاك الذي اعتذر عن الجلوس معنا لمدة أطول بسبب امرأته التي تنتظره على الغداء , مع ذلك ولشدة لطفه, خاطر بانتزاع بضع دقائق ليبقى معنا ثم انسحب معتذرا !!

لن أتكلم عن الطعام ... إلا أن الطعام الفرنسي وشهرته العالمية , أصبح عندي في مستوى ضعيف جداً ..!!

انتهينا من الطعام .. والشراب.. تجولنا قليلا .. !! ومن ثم الى البيت لنرتاح وربما لقيلولة قصيرة ..أما محمد فكان عليه كتابه مقاله الأسبوعي وتسليمه في اليوم التالي ..!!

في المساء .. بعد المرور للمقهى .. تجولنا في عدة مناطق .. ذهبنا الى كارفور .. وتبضعنا كثيرا من النبيذ والجبن والخضار والفواكة .. ثم رجعنا الى البيت .عشاء بيتي ظريف .. محمد لايأكل البيض .. أما أنا فهو أحد أهم انواع الاطعمة لدي .. هههههه( مما حدا لفتاة اعتدت أن أدعو لعندهم أن تطلق علي اسم أبو البيض ههههههه) !!

غداً بــاكــــراً إلى اســــــبانيـــــــــا ..!!! بــرشــــــــلونــــــــــــــــــــــــا .. أنـتظـــــرينـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

٢٠٠٩/١٠/١٥

.. محمد وأنا .. عندهم.. جبريلا وروبير وستيفاني, في لابولو!!


إذا أحبك مليون فأنا معهم.. وإذا أحبك واحد فهو أنا ..وإذا لم يحبك أحد فاعلم أنني مت

..

كانت السادسة والنصف مساء, عندما نزلنا من البيت إلى المقهى .. التقينا بجاك العزيز .. تحادثنا قليلا ..محمد غارق في الانترنيت وأنا وجاك نتناقش صعود وهبوط الأسهم في الداو جونز ونيكي. إلا أن الوقت ذهب سريعا, الساعة السابعة .. موعد إغلاق المقهى .. جاءت منى مبتسمة .. نظرنا إليها مبتسمين, قالت لقد حان موعد الإغلاق لكن لا عليكم .. أنهوا بهدوء أعمالكم.. هكذا .. أغلقنا أجهزتنا واتجهنا للسيارة .. ودعنا جاك .. وها نحن في طريقنا إلى لابولو ..

وصلنا إلى المدينة, لكن العنوان بالنسبة لنا, كان طلسما !! أوقفنا السيارة واتصلنا بجبريلا .. لتأقول انها ستأتي , بعد لحظات أتت بالجميع لاستقبالنا .. كان مكان وقوفنا قريبا جدا من المنزل .. !! وبدأت السهرة ....

البيت .. كان ظريفاً جدا .. صغيرا .. تصعد إليه بدرج ضيق لايتسع لشخصين, ثم غرفة صغيرة بكرسيين منجدين وطاولة صغيرة وبعض التحف الافريقية والتي جلبوها معهم من كندا حيث كانا يعيشان, .. في القسم المقابل .. كان هناك صندوق كبير وضع عليه مضخم الصوت ومشغل اقراص موسيقية .. الضوء كان خفيفا, تنشره بعض الشموع الصغيرة هنا وهناك ....قبلتنا الفتيات .. ستيفاني كانت تلبس ثوبا اسوداً رائعاً .. وكأنها استعدت للسهرة جيدا من أجل محمد العازب الوحيد بيننا !!

جلسنا بجو حميم جداً بدأ روبير الذي - يعمل نصف دوام كساقي في مطعم – بتحضير ما يطلبه ضيوفه .. ويسترسل هو وجبريلا ..قصصهما عن عملية شراء بيتهما .. محمد فضل النبيذ بينما أنا الذي لا يتأثر بالنبيذ, قد اخترت ما تشربه جبريلا وهو شراب المارغريتا .. استمعنا الى موسيقى جميلة .. كان ذوق روبير وجبريلا يتوافق مع ذوقنا انا ومحمد لأننا تقريبا نفس الجيل ..

.. كانت طاولة المطبخ التي وضع عليها الأطباق والكؤوس والمحارم والشموع , تبدو كأنها طاولة تليق بدعوة ملوك .. كل شيء أنيق ورائع .. ولو أنني في آخر الأمر, لم أعجب بالطعام .. !! تناقشنا على رحلاتنا إلى أندورا والمدن التي سبق وزرناها .. حياتنا الخاصة والعامة .. تكلمنا بكل شيء ...ضحكنا كثيرا..

كانت المساحة والوقت قد تأخر لنرقص ونغني ... حان الوقت لننهي السهرة والرجوع للبيت ..

رافقنا لجميع إلى السيارة ..قبلات .. ووعود باللقاء .. ثم صعدنا السيارة .. ودار المحرك .. إلى البيت .. لم نتكلم الكثير .. كان كل منا قد شرب ما يكفي لدخولنا السجن في حال أوقفتنا أي دورية شرطة .. والتي أيضا تخلو طرقات فرنسا كالسويد, منهم ..!!

وصلنا البيت .. جلسنا على الشرفة كالعادة .. وكأننا في كل مساء نراجع ما حدث معنا في النهار .. كان يوما جميلا .. كان يوما معاشاً بحق .. كان الهواء منعشاً .. وكان صوتنا هو الوحيد الذي يعكر صفو السكون .. السكون موسيقى الليل ..... سكون البحر وهذا الهدوء الذي يحيل الوقت إلى أبدية مطلقة ..بدأت أجفاني بالتعب .. تصبح على خير محمد .. وأنت من أهله ..جاوب محمد بصوته الهادئ ..

الخميس 17 ايلول .. ناربون




Narbonne

الكاميرا التي اشتريناها من أندورا لم تعمل.. عدة محاولات لشحن البطارية, عبثا لم تعبئ البطارية... أصبحت لا أستغرب أي سلعة لا تعمل أشتريها ..وهنا لا داعي لذكر البراهين !! .. فذلك تعودت عليه !!!!

في اليوم السابق تقصدت ابقاء الشاحن بالكهرباء .. يا الهي في الصباح التالي .. كانت البطارية قد شحنت ..!! يا للعجب بعد أيام من المحاولات ..!! عظيم .. هاهو الوقت المناسب في تصوير المدينة التي سنزورها اليوم , وحتى السهرة التي دعينا اليها في مدينة لا بولو, عند جبريلا وروبير, في الثامنة مساء ..

استيقظ دائما أبكر من محمد, فأنا أنام قبله بساعة أو أكثر .. في بعض الحالات أترك محمد لكتابة مقال يجب إرساله للجريدة أو المجلة في اليوم التالي .. !! لذلك أجد أن من اللائق أن أترك لمحمد بعض الوقت بمفرده !

بضعا من الايام, تحتاج ليتبين لجميع الساكنين, ببيت واحد, كيفية عادات الآخر من اجل التكيف معه .. كنت قد حفظت الروتين اليومي لمحمد .. قهوته الصباحية .. حمامه , الجلوس قليلا بالشرفة , ثم التوجه إلى المقهى, لقراءة الأخبار بالانترنيت, ومن ثم إلى مكان ما, خارج سان سيبيرين ..إمكانية السباحة .. حسب الطقس .. صباحا أم بعد الظهر .. والسهرة في احد الامكنة .. الطعام, ليس لديه أي أفضليه في قائمة يومياته هنا .. فمحمد لايأكل الدجاج ولا اللحم .. يأكل الثمار البحرية .. يحب النبيذ الأحمر , والجبن,. لديه ذوق خاص به !!

بعد الفطور الاعتيادي , الشاي والجبنة .. وانهاء محمد روتينه اليومي .. اتفقنا للذهاب لتفقد الايميل ..

في المقهى كان هناك جاك الذي لاتزال علامات الوعكة الصحية التي المت به, ظاهرة .. ضممناه وعانقناه وكأننا لم نلقاه منذ مدة ..- عندما كان مريضا قلقنا عليه جداً -.. الحمدلله لقد استرد عافيته !!.. جرى كل شيء بسرعة .. شربنا المشروب وتناقلنا الاخبار والنكات والابتسامات .. وها نحن بطريقنا الى ناربون بعد أن أعتذر جاك عن مرافقتنا,... ولكنه لم يبخل بالنصائح .. !!

في ناربون اضغط عليها لترى بعض المشاهد عنها في اليو تيوب

دخلنا الى المدينة .. كيف أصفها !.. الأمكنة لها أرواح, ألا توافقوني على ذلك !!.. كأن لهذه المدينة , روح بحار, علق على جانبه سيف صدئ .. هكذا صدئ.. وفولاذه لا يلمع .. وكأنه صنع من معدن مطفئ .. ثم يرتدي ثيابا ممزقة وشفاهه مشققة .. هذه هي ناربون .. .. محلات وساحات, مقاهي ومحلات ومطاعم لبيع البيتزا والكباب و الفلافل حتى ..انه امتزاج العصري والقديم .. لوحة جميلة جداً .. وهذا البحر وعلى شاطئه, الشارع الطويل الذي يحده, ترى البشر المتنوعين .. بشر جمعهم, حبهم للبحر والشمس وبعضهم البعض .. التاريخ يحضر بقوة, ربما هو العنصر الرئيسي هنا بعد البحر .. البيوت الحجرية والساحات المرصوفة بالحجارة .. الجدران العالية للكنائس .. ككنيسة cathedral of Saint-Just , والقنال الذي يمر من مركز المدينة Canal de la Robine ...هناك دائما في تلك المدن , أحساس غريب بأرواح حية تلتمس منك حب غامض .. أحببت كل المدن التي مررت بها في هذه الفترة, ربما بسبب صديقي محمد , الصحبة تعطي نكهات الأزمنة والأماكن .. أنا لا أستمتع بأي شيء بمفردي .. طبعا عداك عن "الاستمناء" هههههه .. لكني هنا في هذه المدينة وبصحبة صديقي العزيز محمد .. أحسست بأن الحياة حقاً, تستحق محاولات كثيرة للاستمرار بها .. !!

انتهينا من المدينة وها نحن مرة أخرى على الطريق الريفي الرائع الذي لا يقل روعته عن المدينة نفسها .. طرقات صغيرة تتلوى بين حقول العنب .. تذكرت لوحات بول سيزان الذي قال مرة "تحيى الشمس التي تشع نوراً بهذا لجمال" والرسام فان جوغ الخالد, .. تذكرت رسالته لأخيه تيو يصف المشهد : "يشبه البحر في لونه سمك الماكريل في سرعة تغير ألوانه بحيث لا يمكن معرفة ما إذا كان أخضراً أو بنفسجياً أو حتى أزرقاً لأنه في اللحظة التالية تأخذ ظلاله المتغيرة صبغة وردية أو رمادية". يا لهذا الوصف .. نعم انه حقيقة !!... مددت يدي, وأدارت أصابعي مفتاح الصوت لأخفض مستواه... قلت لمحمد الذي يقود السيارة ويستمع لأغنية فرنسية ربما كانت لشارل ازنافور..., ليست هناك لحظات أتمنى فيها الموت أكثر من هذه اللحظة .. أني سعيد جداً .. وأني أشكرك على ذلك .. !!! الموت سعيدا ً ... الموت حبا, الموت الجميل يجب أن يكون في أشد لحظات السعادة .. برأي !, نظر إلي محمد مستغربا ثم ضحك.. لاتعليق !!.. وتابعت السيارة .. مسيرها بين لوحات جوغ وسيزان ..

تبضعنا للغداء .. ثم اقتراح للسباحة .. علما الجو كان غائما .. الحرارة منخفضة نوعا ما .. لكننا مع ذلك كله, حملنا زجاجة نبيذ جديدة ... ونزلنا .. تمشينا طويلا .. حتى وصلنا الى مكاننا المقصود ..جلسنا وبدأنا بكأسنا الأول .. ثم بدأنا بالحديث عن امكانية السباحة في هذه البرودة .. حتى أننا ضحكنا كثيرا, على رجل اقترب من ماء البحر, ثم عدل رأية بألا ينزل ..ربما من البرودة .. أما أنا فقد ركضت وغطست .. كعادتي الجديدة هنا .. لكن محمد لم يقتنع هذه المرة .. وفضل البقاء وشرب النبيذ على الشاطئ ..

اليوم مساء الساعة الثامنة ... إلى مدينة لابولو .. !! دعوة للعشاء !!